سيد قطب

2809

في ظلال القرآن

يرى حينئذ من ورائه جمال اللّه وجلاله . إن هذا الوجود جميل . وإن جماله لا ينفد . وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود . قدر ما يريد . وفق ما يريده له مبدع الوجود . وإن عنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود . فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شيء ، يصل إلى حد الجمال . وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو ، وفي كل خلق . . انظر . . هذه النحلة . هذه الزهرة . هذه النجمة . هذا الليل . هذا الصبح . هذه الظلال . هذه السحب . هذه الموسيقى السارية في الوجود كله . هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور ! إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين ؛ يلفتنا القرآن إليها لنتملاها ، ونستمتع بها وهو يقول : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » . . فيوقظ القلب لتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير . « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » . . « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » . . ومن إحسانه في الخلق بدء خلق هذا الإنسان من طين . فالتعبير قابل لأن يفهم منه أن الطين كان بداءة ، وكان في المرحلة الأولى . ولم يحدد عدد الأطوار التي تلت مرحلة الطين ولا مداها ولا زمنها ، فالباب فيها مفتوح لأي تحقيق صحيح . وبخاصة حين يضم هذا النص إلى النص الآخر الذي في سورة « المؤمنون » . . « خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » . . فيمكن أن يفهم منه أنه إشارة إلى تسلسل في مراحل النشأة الإنسانية يرجع أصلا إلى مرحلة الطين . وقد يكون ذلك إشارة إلى بدء نشأة الخلية الحية الأولى في هذه الأرض ؛ وأنها نشأت من الطين . وأن الطين كان المرحلة السابقة لنفخ الحياة فيها بأمر اللّه . وهذا هو السر الذي لم يصل إليه أحد . لا ما هو . ولا كيف كان . ومن الخلية الحية نشأ الإنسان . ولا يذكر القرآن كيف تم هذا ، ولا كم استغرق من الزمن ومن الأطوار . فالأمر في تحقيق هذا التسلسل متروك لأي بحث صحيح ؛ وليس في هذا البحث ما يصادم النص القرآني القاطع بأن نشأة الإنسان الأولى كانت من الطين . وهذا هو الحد المأمون بين الاعتماد على الحقيقة القرآنية القاطعة وقبول ما يسفر عنه أي تحقيق صحيح . غير أنه يحسن - بهذه المناسبة - تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة : بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية ؛ وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيوانا فوق القردة العليا ودون الإنسان . . أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة وأن كشف عوامل الوراثة - التي لم يكن دارون قد عرفها - تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضربا من المستحيل . فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه ؛ وتحتم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه ، ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطور إلى نوع جديد . فالقط أصله قط وسيظل قطا على توالي القرون . والكلب كذلك . والثور . والحصان . والقرد . والإنسان . وكل ما يمكن أن يقع - حسب نظريات الوراثة - هو الارتقاء في حدود النوع نفسه . دون الانتقال إلى نوع آخر . وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام « 1 » !

--> ( 1 ) يراجع كتاب العلم يدعو إلى الإيمان . وص 2573 جزء 19 من الظلال .